ابن أبي شريف المقدسي
176
المسامرة شرح المسايرة في العقائد المنجية في الآخرة
المعتزلة ، بل ( بمعنى أنه يتعالى عن ذلك ) لأنه غير لائق بحكمته ، ( فهو من باب التنزيهات ، إذ التسوية بين المسئ والمحسن ) أمر ( غير لائق بالحكمة في فطر سائر العقول ) جمع فطرة ، بمعنى الخلقة ، و « الحكمة » : وضع الأمور مواضعها على ما ينبغي لها ، ( وقد نص اللّه تعالى على قبحه حيث قال : أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ ) أي : اكتسبوها ( أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَواءً مَحْياهُمْ وَمَماتُهُمْ ساءَ ما يَحْكُمُونَ [ الجاثية : 21 ] فجعله ) تعالى أي : جعل حكمهم بأنهم كالذين آمنوا في استواء حياتهم ومماتهم في البهجة والكرامة حكما ( سيّئا ) أي : قبيحا ، ومحل الكلام في إعراب الآية على قراءتي الرفع والنصب في « سواء » وبيان المعنى على كل من القراءتين كتب التفسير « 1 » ، وسيأتي في الأصل الأول من الركن الرابع كلام في هذا المعنى « 2 » . ( هذا ) الذي ذكره المصنف كلام ( في التجويز ) أي : تجويز تعذيب المحسن المذكور ( عليه ) تعالى عقلا ( وعدمه ) أي : عدم التجويز المذكور ( أما وقوع ) أي : وقوع ذلك منه تعالى ( فمقطوع بعدمه ) وفاقا ، ( غير أنه عند الأشاعرة للوعد بخلافه ) فإنه تعالى وعد في كتبه المنزلة وعلى ألسنة رسله بإثابة الطائع ، ( وعند الحنفية وغيرهم ) كالمعتزلة ( لذلك ) الوعد ( ولقبح خلافه ) أي : خلاف الموعود به من الإثابة ، ( وقد تقدم أن محل الاتفاق ) في الحسن والقبح العقليين ( إدراك العقل قبح الفعل بمعنى صفة النقص وحسنه بمعنى صفة الكمال ، وكثيرا ما يذهل أكابر الأشاعرة عن محل النزاع في مسألتي التحسين والتقبيح العقليين لكثرة ما يشعرون في النفس أن لا حكم للعقل بحسن ولا قبح ، فذهب ) لذلك ( عن خاطرهم محل الاتفاق ) وهو الحسن بمعنى صفة الكمال والقبح بمعنى صفة النقص ، ( حتى تحير كثير منهم ) أي : من أكابر الأشاعرة ( في الحكم باستحالة الكذب عليه ) تعالى ( لأنه نقص ) « 3 » .
--> ( 1 ) انظر : الجامع لأحكام القرآن ، لأبي عبد اللّه القرطبي ، 8 / 155 : فقد فسر « سواء » بالضم على مذهبه في الرواية ؛ أي رواية ورش من قراءة نافع ، ثم قال : وقرأ حمزة والكسائي والأعمش « سواء » بالنصب ، واختاره أبو عبيد ، وقال : معناه نجعلهم سواء . ( 2 ) انظر : ص 249 . ( 3 ) منشأ تحير الأشاعرة أن الذي يضفي شرعية الحسن والقبح هو الشارع وليس العقل ؛ فالمسألة في المفهوم وليست في النتيجة ، فلا شك أن من أقدس مبادئ الأشاعرة ؛ تنزيه اللّه عن النقائص ، وأهمها الكذب . . .